الشيخ محمد هادي معرفة

203

تلخيص التمهيد

السماع ، ولا سيَّما إذا طالت الفترة بين الشيخ الأوَّل والقارئ الأخير . ومن ثمَّ ظهرت قراءة مكَّة ، وقراءة المدينة ، وقراءة البصرة ، وقراءة الكوفة ، وقراءة الشام ، وهكذا . الأمر الَّذي كان كرّاً على ما فرّوا منه ! وزعم الزرقاني أنَّ هذا الاختلاف في النصّ كان عن عمد منهم وعن قصد ، لحكمة تحمُّل اللفظ كلَّ قراءة ممكنة . قال : وكتبوها متفاوتة في إثبات وحذف وبدل وغيرها ، لأنَّ عثمان قصد اشتمالها على الأحرف السبعة . فكانت بعض الكلمات يقرأ رسمها بأكثر من وجه نحو « فتبيَّنوا » و « ننشزها » . أمّا الكلمات الَّتي لا تحتمل أكثر من قراءة فإنَّهم كانوا يرسمونها في بعض المصاحف برسم وفي بعض آخر برسم آخر ، ك « وصّى » بالتضعيف و « أوصى » بالهمز . وكذلك « تحتها الأنهار » في مصحف و « من تحتها الأنهار » بزيادة « من » في مصحف آخر . . . « 1 » قلت : هذا تعليل عليل ، بعد أن كان الغرض من نسخ المصاحف وتوحيدها ، هو رفع الاختلاف في القراءات . كان أحدهم يقول : قراءتنا خير من قراءتكم . فلئلّا يقع مثل هذا الجدل المرير تأسَّس المشروع المصاحفي باتّفاق من آراء الصحابة . أمّا وبعد أن أنجزت اللجنة مهمَّتها وإذا بدواعي الاختلاف ، الاختلاف في القراءة ذاتها ، موجودة . أمّا قضيَّة الأحرف السبعة المفسَّرة إلى القراءات السبع ، فحديث مشتبه ربَّما بلغ تفسيره إلى أربعين معنى « 2 » ، وأوهن المعاني هو تفسيره بالقراءات ، إذ لم يثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وآله قرأ القرآن على سبعة وجوه . كما أنَّ لاختلاف القرّاء في قراءتهم عللًا وأسباباً تخصّهم هم . وقد فصَّلها أبو محمَّد مكّي بن أبي طالب في كتابه « الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها » فراجع . وقد تكلَّمنا عن حديث الأحرف السبعة في فصل خاصّ يأتي إن شاء اللَّه . هذا ، وأمّا الأستاذ الأبياري فإنَّه يرى أنَّ هذا الاختلاف إنَّما كان بين مصاحف سبقت

--> ( 1 ) مناهل العرفان : ج 1 ص 251 . ( 2 ) راجع الإتقان : ج 1 ص 45 .